حين أزهر اللوز في "دير اللوز" - وكالة وطن للأنباء

2022-03-18 02:54:04 By :

ومن مواضيع الرواية اشارتها بعدة مفاصل للجوانب الاجتماعية، فمن ضمن شخصيات الرواية المهمة "بهية" الأم وهي بدوية من بئر السبع وقد كان وصفها لزواجها أبو عمر جيد من ناحية تقاليد الزواج وهذا جانب مهم في التراث الفلسطيني ومن الجميل أن أشارت الكاتبة له، وكذلك الإشارة المهمة للجانب الاجتماعي بتأخرها بالإنجاب وضغط الأهل على الزوج ليتزوج بإمرأة أخرى تنجب له الأبناء وهو رافض للفكرة متوكلا على الله فقط حتى رزق بعد سنوات بعمر وبشير وزهرة، وكذلك الإشارة لغيرة النساء وتخلي أب عن ابنته سنية بعد وفاة أمها شقيقة بهية فعاشت في بيت بهية وزوجوها لعمر بزواج تقليدي، كما أشارت الكاتبة الى الأساطير والتفسيرات الغيبية مثل "مخاواة الجن واختفاء بئر من مكانه" وجبل البئر المسكون بالجن والملعون، وأشارت الكاتبة للحب الطفولي لدى طفل ما زال في الصف السادس وزميلته في الصف الخامس الابتدائيين ويحلم بزواجها وهو يعمل صبي خياط بعد المدرسة، وهذا طبعا ناتج عن مشكلات اجتماعية في أسرته، وطفل آخر لا يدخل المدرسة بسبب الفقر فهمه العمل لظرف اجتماعي، وكذلك لزواج زهرة من ابن عمتها بغير رغبة منها ولكن بقرار الأب. 

وفي ص 58 نجد الروائية تقول عن عزف النشيد الوطني للطلاب بأنه "وعد زائف برجوع قريب" وأهمس لها: أن الحلم والأمل لم يكن يوما كما قولكِ "أمل بطعم العلقم مغلف بطبقة هشة من سكر الثورة"، فحلم وأمل العودة كان قبل النشيد الوطني وحتى قبل الثورة ومنذ النكبة ولم يتوقف، وما زال متوهجا لدى أي طفل في فلسطين يرزح تحت الاحتلال وأجداده تم تهجيرهم بالقوة في النكبة 1948م، وفي ص 70 وقعت بخطأ بالقول: "الذين يعملون عند اسرائيل" بدلا من القول دولة الاحتلال أو أي تسمية أخرى.

ونلاحظ أن الروائية والتي تمتلك ثقافة واسعة شبهت شخصيتي الرواية الإخوة عمر المناضل وتوأمه بشير العامل بالأرض بالعشاق فقالت: "بشير يقول شعراً ودعاء، وعمر يقول حرفا ورقما وبندقية"، ووصفت بشير أنه صوفي وقالت: "يعيش يومه استعدادا للأبدية، الصوفي لا يذكر ما كان ماضيا" في ص 15 بينما سبق وأن قالت عنه في ص 13: "بشير لم ينجح في الثانوية وفضل أن يعمل مع أبيه في الطاحونة، يطحن القمح على مدار السنة ويدرس الزيتون في تشرين"، وهذه صفات وممارسة الإنسان العملي والعامل وليست صفات الصوفي الذي "يعيش يومه استعدادا للأبدية"، فمن يعيش الحياة العملية لن يمتلك الوقت لقراءة الكتب الصوفية والتفرغ لزيارة "دير الشيخ عبد الهادي القادري في أعلى الجبل" ص 64، ونلاحظ خطأ بتسمية مكان اقامة الشيخ بكلمة "دير" بدل مقام حيث أن كلمة دير تطلق على أمكنة اعتكاف الرهبان والراهبات، وكيف يمكن لمتصوف وصفته الكاتبة "بشير يقول شعراً ودعاء" أن يعشق خولة ابنة العميل وبائع الأراضي للاحتلال وشقيقة العميل ويريد أن يتزوجها حين رآها ترتدي التنورة القصيرة جدا في دير اللوز، وهو الذي يقول عن نفسه لأمه: "اجتنبت النظر إلى المعاصي وكففت عنها جوارحي" ويواعدها اللقاءات؟، هذه اللقاءات التي كان يحتضنها بها وفي نفس الوقت يوجهها للهداية والدين حتى لبست الملابس المحتشمة وغطت رأسها بالمنديل.

وما يلفت النظر قولها عن عمر في ص 15: "يعلمهم جبرا وحسابا، في محراب آينشتين يقيم مناسكه... هو ذاك المزيج من جيفارا الثائر والقديس أوغسطينوس الباحث عن معنى الزمن"، والغريب ربط المناضل عمر مع اينشتاين وهو عالم الفيزياء الشهير وصاحب النظرية النسبية والمولود لأبوين يهوديين، فإن كان الربط أنه اصبح مدرسا للرياضيات والفيزياء فهذا الربط ليس دقيقا بغض النظر عن اقتناعه بالنظرية النسبية، فهو يعلم لتلامذته الجبر والحساب وعلم الجبر مكتشفه الرحالة والفلكي والعالم محمد بن موسى الخوارزمي ولذا كان يجدر الربط به، بينما الربط بجيفارا مستوعب من زاوية أن جيفارا ثائر أممي معروف، لكن كان من الأجدر الربط بأحد قادة الثورات الفلسطينية مثل الشيخ الشهيد عز الدين القسام، فهو من مازج بين الدين والجهاد ولجأ لحرب العصابات قبل أن يكون المناضل جيفارا، وهو من مازج الايمان بالثورة، فكان الأجدر أن يكون عمر متأثرا بالقسام ويشبه به، وتشبيهه بالفلاسفة العرب مثل ابن رشد أو الغزالي إن كان الشك هو سبب التشبيه بدلا من التشبيه بـ"أوغسطينوس"، الذي ولد في مدينة طاغاست والتي أصبح اسمها سوق اهراس بالجزائر وتوفي في عنابة عام 430م لأم مسيحية وأب وثني آمن بالمسيحية على فراش الموت، و"أوغسطينوس" ترك المسيحية واعتنق المانوية وعاش حياة المتعة وكان له عشيقة أنجبت له ابنا وتأثر بالفلسفة اليونانية، قبل أن يعود للمسيحية وينشأ ديرا في اقليم عنابة ويكون له أراء اعتبرها البعض إصلاحية حتى اعتبروه قديسا، وهذه الآراء سببت جدال كبير بين أتباع الكنائس الشرقية والغربية حين أصبح واعظا مشهورا، فهنا سنجد أن عمر وبشير شخصيتان متناقضتان وليس كما قالت الكاتبة: "عمر وبشير يكمل أحدهما الآخر".